موضع المعجزة المادية في الدين الإلهي
لأجل الإيمان بما هو غيبي كوجود الإله مثلاً أو لطلب الدليل على أحقية نبي أو حجة من حجج الله بصفة عامة فان الناس عادة ما تبحث عن دليل مادي؛ الأمر الخارق للعادة أو ما يسمى بالمعجزة المادية، فيكون هذا...
لأجل الإيمان بما هو غيبي كوجود الإله مثلاً أو لطلب الدليل على أحقية نبي أو حجة من حجج الله بصفة عامة فان الناس عادة ما تبحث عن دليل مادي؛ الأمر الخارق للعادة أو ما يسمى بالمعجزة المادية، فيكون هذا الأمر المادي الخارق بالنسبة لهم هو الدليل على وجود الإله أو الدليل على أحقية الحجة. لكن الكثير منهم عنده فهم خاطئ للمعجزة ومعناها ويتصور دون دليل أنها شيء قاهر لا يمكن أن يتصور وجود سبب له أبداً ضمن القوانين الطبيعية وبالتالي تشكل بالنسبة لهم الدليل القطعي على تدخل الله لإنجاز هذا الفعل وبالتالي الدليل القطعي على “وجود الله” أو دليل على “اتصال المرسل بالله”. كما أنّ الكثيرين ممن يعتقدون بوجود إله يتبنون فكرة أن “الله” هو تفسير ما لا تفسير له ضمن القوانين التي يعرفونها، أي كأنه يتدخل مباشرة أو يأمر أو يأذن بحدوث أمر معين دون أن يتصور وجود سبب ضمن القوانين الطبيعية في ذلك الوقت ولا حتى سيظهر بعد ذلك، فكل ما ليس له تفسير فالله من فعله، وهذا ما يسميه الملحدون “إله الثغرات God of the gaps”. وهذا الاعتقاد من هؤلاء هو تماما كقولهم أننا قادرون على تفسير كل شيء وما لا يمكن تفسيره فتفسيره هو الإله، ولكم أن تستنتجوا مكانة المعجزة المركزية لإثبات الإله في هكذا تصور. وعندما يجد العلماء التفسير لظاهرة ما وفق القوانين الطبيعية دون الحاجة لفرض وجود إله فانهم يضعون هؤلاء في موقف محرج. هذا الفهم للمعجزة كدليل قطعي للإيمان ومكانتها في الدين نجده قويا في الديانات المنحرفة التي صارت تمتلك اعتقادات هشة نتيجة التحريف والابتعاد عن خلفاء الله سبحانه وتعالى؛ حيث انهم عادة ما يبحثون عن ثغرات لم يسدها العلم ويقولون بصورة اعتباطية إنّ الله هو تفسيرها، كما هو موجود في أغلب الكتب التي تحاول الرد دون جدوى على الإلحاد العلمي أي الإلحاد المنظر له علميا. هذا الخطأ المنهجي في محاولة إثبات الإله من خلال أمور خارقة لم يفسرها العلم يؤدي لعدم وجود الحاجة للإله متى ما وجدنا تفسيرا قانونيا علميا، وبالتالي فوجود السبب أو بالأحرى التفسير كقانون فيزيائي مثلا يجعل المتبني لهذه الفكرة في موقف صعب فيلجأ إما إلى إنكار السبب العلمي بسبب الجهل أو إلى إنكار وجود الإله فيتجه إلى الإلحاد لأنه أصلا لم يعرف الله من بابه، أو قد ينتقل بالسبب إلى الوراء بمعنى أن يجعل الله هو تفسير سبب السبب، وهكذا بشكل اعتباطي كلما وجد ثغرة لم يفسرها العلم يقول إن سببها هو الله سبحانه وتعالى. طلب المعجزة المادية للإيمان بالغيب يحدث أيضاً مع المتصلين بالله، فغالب المؤمنين بالإله يتوقعون من الحجة أن يأتي بمعاجز واضحة وقاهرة لكل من يطلب حتى يثبت اتصاله بالغيب، فما يعجزهم ماديا أي يعجزون على تفسيره هو بالنسبة لهم الدليل القطعي على الإيمان! وحتى إن حدثت “المعجزة” أو “الآية” وهي لا تأتي كما ينتظرونها قاهرة فهم يبحثون عن أي تفسير لها لكي ينتهي الأمر عن كونه معجزة بالنسبة لهم وبالتالي ينكرون أحقية المرسل. وهذا ما حصل مع خلفاء الله من قبل، وهذا ما يحصل مع مصداق خليفة الله اليوم الإمام احمد الحسن، فغالبية الناس بل حتى رجال الدين طالبوه ويطالبونه بالمعجزة وفق تصورهم لها لكي يعرفوا أن الشخص المدعي هو فعلا متصل بالله. وعند إظهار المعجزات الحاصلة، والتي لا تكون قاهرة، عكس تصورهم لها، فان المعاندين منهم يبحثون عن أي تفسير إلا أن يكون للأمر علاقة بتأييد الله سبحانه وتعالى له. هذا البحث سيحاول أن يناقش المعجزة وتعريفها ومكانتها في الدين الإلهي وتوضيح العقائد المرتبطة بها، وسيناقش أيضا علاقتها بالسببية التي ملئت الكتب بدراستها من أرسطو مرورا برجال الدين ثم عصر النهضة الأوروبية وصولاً إلى العلم الحديث خصوصا بعد اكتشاف ميكانيكا الكم التي تلغي السببية.