علم الرجال الشيعي بين النظرية والتطبيق

يمكن أن يقال إن انفكاك النظرية عن التطبيق له مخلفات لا يمكن لباحث التغاضي عنه بشكل من الإشكال وخصوصا ما كان مرتبطاً بالنص الديني والعمل به، ومن الأمور التي لا يمكن التخلي عنها في سماء البحث الفقهي أو...

يمكن أن يقال إن انفكاك النظرية عن التطبيق له مخلفات لا يمكن لباحث التغاضي عنه بشكل من الإشكال وخصوصا ما كان مرتبطاً بالنص الديني والعمل به، ومن الأمور التي لا يمكن التخلي عنها في سماء البحث الفقهي أو العقائدي وغيرها هي مسألة البحث عن سند الأخبار؛ لضرورة كونه الناقل الفعلي بعد القرآن الكريم لأحكام السماء، والمصدر الثاني للتشريع الذي طالما حثَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام) على حفظه وتدوينه وعدم التفريط به؛ لأنه بقية السماء لأهل الأرض بعد أن زهد الناس بخلفاء الله وصاروا سبباً في تغييبهم عن ساحة العمل بشكل كبير. ولم يقف علم الحديث على تدوينه وبيان مراده، بل لازم الأمر الحاجة إلى بيان رجال الحديث أو ما يسمّى بـ “سند الحديث” الذي أصبح من الأهمية بما لا يمكن لفقيه الاستغناء عنه عادة في عملية الاستنباط الفقهي للحكم الشرعي من الأصول الحديثية. وبهذا أصبح لدينا علم جديد تطور مع الوقت، ووضعت له قواعد تتلخّص باعتماد رجال الحديث في قبول أو ردّ الحديث استناداً إلى ما ذهب إليه علماء الرجال من جرح وتعديل وتوثيق وتوهين لرواة الأحاديث. ومن هنا فقد نال هذا العلم من الحظوة والتقدير ما نالته العلوم الأخرى، بل وخضعت بعض الكتب الحديثية الأولى – فضلاً عن غيرها – إلى المناقشة من جهة إمكانية قبول شهادة أصحابها بصحة ما ينقلون فيها؛ والسبب كان “أسانيد الأحاديث” الواردة فيها حيث تضمّنت الكثير ممّن لم يتحصّل لهم طريق في التعرف على أحوالهم، أو ممّن لم يُذكر بتوثيق، أو كان معروفاً ولكنه ضُعِّفَ بسبب فساد العقيدة. وهنا يبرز عندنا حقيقة علم الرجال وقواعده الموضوعة في حل المعضلات التي تساهم في قبول الحديث أو رفضه، ومن الواضح أنّ كلا الأمرين – العمل به أو رفضه – يحتاج إلى مسوّغ شرعي أو إذنٌ من المشرع الحقيقي في قبول هذه القواعد الموضوعة بعد زمان متأخر من كتابة وتدوين الحديث وكيفية العمل بها. والسؤال المهم هنا: هل نطق الثقل الأول – القرآن الكريم – بهذه القواعد كما يدعي من يرى حجية علم الرجال وصحة قواعده؟ وهل أشار الثقل الثاني (عليهم السلام) لمثل هذه القواعد في أخبارهم الكثيرة وأوضحوا للسامعين أو لمن يأتي بعدهم حقيقتها، أم لم يبينوا ذلك؟ وما هي الضوابط المتبعة للعمل بأخبارهم والتي لا يخلو البعض منها من مجهولي الحال أو فاسدي العقيدة ممّن لا يُحتج بروايته بحسب ما ذهب إليه الرجاليون في صريح أقوالهم ؟ ثم إننا لو تأملنا في استنباطات الرجاليين الفقهية وفتاواهم الشرعية لوجدنا فيها ما يخالف قواعدهم الرجالية مع تخريج مناسب لتلك المخالفة بحسب وجهة نظرهم، وهي لا تخلو بطبيعة الحال من الذوق الشخصي عادة، وتكشف عن عدم الانسجام بين القواعد الرجالية النظرية من جهة وتطبيقها على الأخبار من جهة أخرى. ولا يخفى أنّ سبب التضاد الملحوظ هو أنّ الكثير من الأخبار لا تخلو من مشكلة ما في سندها بسبب ما وضعوه واشترطوه من قواعد في قبول الحديث، ومع ذلك نراهم يعملون بتلك الأخبار، ويستنبطون منها ويفتون على ضوئها بشكل طبيعي، ولم تعد تلك القواعد والاشتراطات الرجالية نافذة، وكأنها ذهبت مرة واحدة ؟

علم الرجال الشيعي بين النظرية والتطبيق (pdf ملف)